صديق الحسيني القنوجي البخاري
191
أبجد العلوم
مطلب في أن أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم « 1 » « ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربي كان حصولها له أصعب وأعسر . والسبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة ، بما سبق إليه من اللسان الحضري الذي أفادته العجمة ، حتى نزل بها اللسان عن ملكته الأولى إلى ملكة أخرى هي لغة الحضري لهذا العهد . ولهذا نجد المعلمين يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللسان للولدان ، وتعتقد النحاة أن هذه المسابقة بصناعتهم ، وليس كذلك ، وإنما هي بتعليم هذه الملكة بمخالطة اللسان وكلام العرب . نعم صناعة النحو أقرب إلى مخالطة ذلك . وما كان من لغات أهل الأمصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلم اللغة المضرية وحصول ملكتها لتمكن المنافاة . واعتبر ذلك في أهل الأمصار ، فأهل إفريقية والمغرب لما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الأول ، كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم . ولقد نقل ابن الرقيق « 2 » أن بعض كتّاب القيروان كتب إلى صاحب له : « يا أخي ومن لا عدمت فقده ، أعلمني أبو سعيد كلاما أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تأتي ، وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج . وأما أهل المنزل الكلاب من أمر الشين فقد كذبوا هذا باطلا ، ليس من هذا حرفا واحدا ، وكتابي إليك ، وأنا مشتاق إليك إن شاء اللّه تعالى » . وهكذا كانت ملكتهم في اللسان المضري شبيه بما ذكرنا . وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة نازلة عن الطبقة ؛ ولم تزل كذلك لهذا العهد . ولهذا ما كان بإفريقية من مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق « 3 » وابن شرف « 4 » ، وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها .
--> ( 1 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 654 - 656 ) . ( 2 ) هو إبراهيم بن القاسم الرقيق القيرواني . كاتب ، إخباري ، مؤرخ ، شاعر . كان حيّا سنة 388 ه ( معجم المؤلفين : 1 / 52 ، 53 ) . ( 3 ) هو أبو علي الحسن بن رشيق المعروف بالقيرواني . ولد بالمهدية ، وتوفي بالقيروان سنة 463 ه ، وقيل في وفاته غير ذلك ( معجم المؤلفين : 1 / 551 ) . ( 4 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن سعيد بن أحمد بن شرف القيرواني الجذامي المتوفى سنة 460 ه ( معجم المؤلفين : 3 / 316 ) .